أخذت أزمة التسريبات التي يواجهها الفريق الأمني في إدارة الرئيس دونالد ترامب منحى تصاعدياً في الساعات القليلة الماضية، عندما قررت صحيفة “أتلانتيك” الرد بصورة مباشرة على تصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيت التي أنكر فيها بشكل مكرر وقاطع في أكثر من مناسبة تحدث فيها إلى الصحفيين، نشر معلومات سرية تتعلق بتفاصيل خطة ومعدات ومواقيت الضربات الأمريكية التي وجهت للحوثيين في اليمن منتصف الشهر الحالي.
هيغسيت قال لمراسلي وزارة الدفاع خلال جولته الآسيوية إنه لا شيء من الذي تم تداوله من نقاشات على نطاق مجموعة “سيغنال” الضيقة للمحادثة بين أعضاء الفريق الأمني للرئيس ترامب كان يتضمن تفاصيل عسكرية سرية.
“أتلانتيك” تنشر النص الكامل
وفي المقابل، رأت “أتلانتيك” في ذلك تقليلاً من قيمة وصدقية روايتها للأحداث، وكيفية إدراج اسم رئيس تحريرها “جيفري غولدبرغ” ضمن المجموعة الضيقة من كبار مسؤولي إدارة الرئيس ترامب، ولهذا قرر فريق تحريرها نشر النص الكامل للمحادثات بين أعضاء الحكومة كما وردت للصحفي غولدبرغ.
هذا التطور وضع الأزمة بكاملها في منحى تصاعدي بصورة أكثر تعقيداً مما كان عليه الأمر، طيلة أيام الأسبوع، خاصة بالنظر إلى التزامن في التوقيت، حيث صدر ذلك في وقت يعقد فيه الكونغرس على مستوى الغرفة الأولى جلسة استماع لمسؤولة جهاز المخابرات “توسي غالبارد” ومسؤول جهاز الاستعلامات “جون رادكليف”، وكلاهما من قيادات الفريق الأمني في الإدارة الحالية.
كما واجها، في اليوم السابق، طوفاناً من الأسئلة الدقيقة والمحرجة من قبل الأعضاء الديمقراطيين على مستوى مجلس الشيوخ حول كيفية حدوث هذا الخرق الأمني الكبير وفي غياب كامل لأكبر جهازيْن أمنييْن في البلاد.
قرار صحيفة “أتلانتيك” بالنشر الكامل والنصي والتفصيلي للمحادثات بين أعضاء الإدارة الثمانية عشر، منع فريق البيت الأبيض من تعديل الرواية المرتبطة بالأحداث، وهي التي سعى إلى تسويقها عبر عدة محاولات ومحاور، وبعضها من قبل الرئيس ترامب شخصياً الذي حاول إظهار الدعم الكبير لمستشار الأمن القومي من خلال إجلاسه معه على نفس طاولة الضيوف خلال مأدبة عشاء على شرف دبلوماسيين، إضافة إلى تصريحه بأن المستشار والتز أخطأ وتعلم من هذا الخطأ، لكنه كرر مرة أخرى عدم رضاه على الصحيفة ونوعية المواقف التي تصدرها تجاه الرئيس ترامب وإدارته.
كان واضحاً أن الرئيس ترامب كان يرغب من خلال إظهار التأييد الكامل والحديث عن الصفات الشخصية لمستشاره الأول عندما وصفه بالرجل الصالح في أن يدفع بالنقاش بعيداً عن الحجم الكبير للضرر الذي يريد الديمقراطيون ربطه بسلوك الفريق العامل في الدائرة الضيقة من حول الرئيس ترامب.
كما ركّز ترامب على أن المسألة من وجهة نظر الإدارة سيتم التعامل معها في إطارها الداخلي على أساس الخطأ الذي وقع والذي لا يجب أن يتكرر مرة أخرى.
المستشار يعترف
المستشار والتز، من جانبه، تحدث إعلامياً من خلال الظهور على شاشة “فوكس نيوز” بإظهاره اعترافه العلني بأن الذي حدث كان خطأ، لكنه في الوقت ذاته ترك الباب مفتوحاً أمام الاحتمالات الكثيرة عندما قال إنه تحدث إلى الوزير ماسك، وإن الفريق الأمني في البيت الأبيض يبحث، الآن، عن الأسباب التي أدت إلى وجود رقم هاتف الصحفي بين أعضاء المجموعة الضيقة، تاركاً الاحتمال قائماً بأن يكون الأمر فيه اختراق واقع على مستوى ما، وهو الأمر الذي يعمل المختصون من الكفاءات التكنولوجية العالية المستوى لمعرفة مصدره وأسبابه، وأن هذه القضية باتت، الآن، في صدارة الأولويات بالنسبة لفريق الأمن القومي في البيت الأبيض.
عاصفة سياسية غير مسبوقة
ولا تزال إدارة الرئيس ترامب تقضي أيام شهرها الثاني في المكتب البيضاوي عندما بدأت في مواجهة هذه العاصفة التي خلقت معطيات سياسية جديدة في واشنطن، خاصة داخل مبنى الكونغرس، بما فرضته من حسابات سياسية معقدة لدى فريق ترامب أولاً وبين الغرماء الديمقراطيين في الجانب الآخر.
كانت الأولوية للرئيس ترامب عند إطلاق سلسلة الهجمات ضد الحوثيين في اليمن، في شق رسالتها الداخلية، تتعلق بتعزيز الشعور الذي تريده بين مواطنيها بأنها إدارة أكثر صرامة وحِدّة، من الإدارة السابقة التي توصف عادة من قبلهم بالضعيفة.
ولذلك، فإن الهدف من العمليات العسكرية ليس هو الحد من قدرات الحوثيين العسكرية إنما هو القضاء النهائي على قدرتهم القتالية، وجعل إيران في قلب العملية؛ بسبب دورها المباشر في دعم الحوثيين والدفع بهم إلى الإضرار بحركة التجارة العالمية في مياه البحر الأحمر، وبينها بطبيعة الحال المصالح الأمريكية والغربية.
كان ذلك هو الخطاب السياسي الذي أرادته إدارة ترامب من خلال العملية العسكرية الواسعة، لكن أزمة التسريبات أخرجت هذه الخطة عن سياقها، وبدلاً عن ذلك أظهرت الأزمة أن فريق الرئيس يناقش مسألة أمنية عسكرية سرية من الصف الأول عبر منصة “سيغنال” غير الرسمية التي هي غير مؤمنة، وأكثر من ذلك أن هذه النقاشات كانت عرضة لاحتمال الاختراق من قبل أعداء الولايات المتحدة. وكان يمكن أن يشكل ذلك خطراً مباشراً على أمن وسلامة القوات الأمريكية التي نفذت العمليات.
الديمقراطيون يتحدون لمواجهة الأزمة
هذه هي الرواية التي يقول بها النواب والشيوخ الديمقراطيون في المجلسين في مبنى الكونغرس، وهي الرواية التي سمحت لهم بالعودة مجدداً إلى دائرة الضوء بعد موجة غضب واسعة داخل قواعد الحزب في مختلف جهات البلاد، اتهمتهم فيها قواعدهم بالضعف في مواجهة إجراءات إدارة ترامب ضد المؤسسات الحكومية الفيدرالية وموظفيها.
الديمقراطيون وبصورة جماعية طالبوا زملاءهم الجمهوريين بالدعوة الفورية إلى استدعاء كبار مسؤولي إدارة ترامب إلى جلسات استماع في الكونغرس، إضافة إلى التحقيق في الأحداث وتفاصيل وقوعها، وكذلك تحديد المسؤوليات ومحاسبة المقصرين في مهامهم، إضافة إلى الدعوة الصريحة إلى استقالة أو إقالة مستشار الأمن القومي ووزير الدفاع من مهامهما.
وكلاهما يعتقد الديمقراطيون أنه مسؤول بصورة مباشرة عن الاختراق الأمني، فالأول من خلال إنشاء مجموعة المحادثة هذه على منصة غير رسمية لضم اسم صحفي لها، والثاني من خلال إعطاء تفاصيل خطة الحرب من خلال نشرها بين أعضاء المجموعة